الشيخ محمد الصادقي الطهراني
55
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ » منهم ! وترى ناكروا الرب إلحاداً وإشراكاً كيف يستكشفون العذاب وهم في أعمق الكفر وأحمقه ؟ . . . إنها نداء من عمق الفطرة عندما تتقطع الأسباب ، فيظهر عنها ما تخفى تحت ستارات الذنوب والشهوات ، وكما اللَّه ينبِّه الغافلين ويوجِّههم إلى تلك الحالة ، لمَّا « جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ . . . . » « 1 » . وكيف يكشف اللَّه عنهم العذاب قليلًا وهو يعلم كذبهم « إنا مؤمنون » والإيمان عند رؤية البأس لا ينفع ؟ إنه ليس من منافع الإيمان الكاذب حيث لم يُتقبَّل ، وإنما هو تأجيل للعذاب هنا من أصله هو من منافع الإيمان ، وكشفه قليلًا هو من حجج اللّا إيمان ! فتنةً عليهم وأخرى لغيرهم « 2 » . ومن ثم كيف تُحيل « أنى لهم الذكرى » ذكرى الإيمان ، بأن تولوا عن الرسول المبين وقالوا معلم مجنون ؟ إنه استحالة بالاختيار ، حيث زاغوا عن بيان « وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً » « فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ » « وجعل على سمعهم وبصرهم غشاوة » « بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » . وترى « إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا » تعني تقليل العذاب كشفاً عن وطأته ، أم تقليل الزمان كشفاً عن أصله ؟ قد تعني « قليلًا » كلتا القلتين إذ تحملهما أدبياً ويناسبانه معنوياً ، أو أن كشف العذاب يقتضي نفيه عن أصله زمناً « قليلًا » « إنكم عائدون » بعد قليل ، فالقلة الزمنية مقصودة على أية حال ، والقلة الأخرى مشكوكة ، أم إنها تقليل للفتنة والحجاج عليهم ولمن سواهم ، فلتكن قلة زمنية لا غيرها ! . وأمَّا « معلَّم مجنون » فمجنونها يفسر معلَّمها أن ليس تعليماً إلهياً حيث المشركون لم
--> ( 1 ) ) . 10 : 22 ( 2 ) ) . عليهم فتنة شر أن يبتلوا بعذاب أكبر ويظهر كذبهم لمن لم يظهر له أنهم كاذبون ، وفتنة خير لغيرهم انتباهاً